أحمد مصطفى المراغي
51
تفسير المراغي
ولما سمع بهذا الخبر ( خبر قتل القبطي ) طلب أن يقتل موسى فهرب من بين يديه وذهب إلى مدين وجلس على بئر ماء ، وكان لكاهن مدين سبع بنات فجاءت وأدلت الدلاء وملأت الأحواض لسقى غنم أبيهن ، فلما جاء الرعاة طردوهن ، فقام موسى فأغاثهن وسقى غنمهن ، فلما جئن إلى رعوائيل أبيهن قال : ما بالكن أسرعتن المجيء اليوم ؟ إلخ . وفي الفصل الثالث : وكان موسى يرعى غنم يثرو حميه كاهن مدين . ولما قدمت هذه المرأة إلى موسى أجابها تبركا بالشيخ لا طمعا في الأجر ( فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي فلما جاء موسى هذا الشيخ وحدثه حديثه مع فرعون وآله في كفرهم وطغيانهم وإذلالهم للعباد وتآمرهم على قتله وهربه منهم بعد الذي علمه - قال له : لا تخف من حولهم وطولهم ، إنك قد نجوت من سطوة هؤلاء الظلمة ، إذ لا سلطان لهم علينا ، ولسنا في دائرة ملكهم . ولما أمنه وطمأنه على نفسه دار الحديث وكان ذا شجون . ( قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) أي قالت واحدة من بناته : استأجر موسى ليرعى عليك ماشيتك ، فإن خير من تستأجره للرعي القوىّ على حفظ الماشية والقيام عليها في إصلاحها وصلاحها ، الأمين : الذي لا تخاف خيانته فيما تأتمنه عليه منها . ولا يخفى أن مقالها من جوامع الكلم والحكمة البالغة ، لأنه متى اجتمعت هاتان الصفتان : الأمانة والكفاية في القائم بأداء أمر من الأمور تكلّل عمله بالظفر وكفل له أسباب النجح . وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه : أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب ، وصاحب يوسف في قوله « عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً » وأبو بكر في عمر .